الآخوند الخراساني

239

كفاية الأصول

النسخ وإن كان رفع الحكم الثابت إثباتا ، إلا أنه في الحقيقة دفع الحكم ثبوتا ، وإنما اقتضت الحكمة إظهار دوام الحكم واستمراره ، أو أصل إنشائه وإقراره ، مع أنه بحسب الواقع ليس له قرار ، أوليس له دوام واستمرار ، وذلك لان النبي صلى الله عليه وآله الصادع للشرع ، ربما يلهم أو يوحى إليه أن يظهر الحكم أو استمراره مع اطلاعه على حقيقة الحال ، وأنه ينسخ في الاستقبال ، أو مع عدم اطلاعه على ذلك ، لعدم إحاطته بتمام ما جرى في علمه تبارك وتعالى ، ومن هذا القبيل لعله يكون أمر إبراهيم بذبح إسماعيل . وحيث عرفت أن النسخ بحسب الحقيقة يكون دفعا ، وإن كان بحسب الظاهر رفعا ، فلا بأس به مطلقا ولو كان قبل حضور وقت العلم ، لعدم لزوم البداء المحال في حقه تبارك وتعالى ، بالمعنى المستلزم لتغير إرادته تعالى مع اتحاد الفعل ذاتا وجهة ، ولا لزوم ( 1 ) امتناع النسخ أو الحكم المنسوخ ، فإن الفعل إن كان مشتملا على مصلحة موجبة للامر به امتنع النهي عنه ، وإلا امتنع الامر به ، وذلك لان الفعل أو دوامه لم يكن متعلقا لإرادته ، فلا يستلزم نسخ أمره بالنهي تغيير إرادته ، ولم يكن الامر بالفعل من جهة كونه مشتملا على مصلحة ، وإنما كان إنشاء الامر به أو إظهار دوامه عن حكمة ومصلحة . وأما البداء في التكوينيات ( 2 ) بغى ذاك المعنى ، فهو مما دل عليه الروايات المتواترات ( 3 ) ، كما لا يخفى ، ومجمله أن الله تبارك وتعالى إذا تعلقت مشيته تعالى بإظهار ثبوت ما يمحوه ، لحكمة داعية إلى إظهاره ، ألهم أو أوحى إلى نبيه أو وليه أن يخبر به ، مع علمه بأنه يمحوه ، أو مع عدم علمه به ، لما أشير إليه من عدم الإحاطة بتمام ما جرى في علمه ، وإنما يخبر به لأنه حال الوحي أو الالهام لارتقاء نفسه الزكية ، واتصاله بعالم لوح المحو والاثبات اطلع على

--> ( 1 ) في بعض النسخ المطبوعة : وإلا لزم . ( 2 ) في " ب " : التكوينات . ( 3 ) الوافي : 1 / 112 ، باب البداء .